يشكّل إصدار المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية رقم (IFRS18) تطوراً نوعياً في بنية العرض المالي، يعكس توجهاً واضحاً لدى مجلس معايير المحاسبة الدولية نحو إعادة تنظيم كيفية إيصال الأداء المالي لمستخدمي القوائم المالية، أكثر من كونه تعديلاً على أسس القياس أو الاعتراف.
فالمعيار الذي سيحل محل IAS1، يأتي في سياق معالجة إشكالية طالما واجهت الممارسين والمحللين على حد سواء، والمتمثلة في ضعف الاتساق وقابلية المقارنة في عرض نتائج الأعمال.
لقد كشفت الممارسات العملية خلال السنوات الماضية عن تباين ملحوظ في طريقة عرض قائمة الربح أو الخسارة، ليس فقط بين القطاعات المختلفة، بل حتى بين منشآت تعمل ضمن النشاط ذاته. وكان هذا التباين، في جانب منه، نتيجة المرونة الواسعة التي أتاحها المعيار السابق، والتي وإن كانت مبررة من حيث إتاحة المجال للحكم المهني، إلا أنها أفضت عملياً إلى تقليل قابلية المقارنة وإضعاف وضوح الأداء التشغيلي الحقيقي للمنشآت.
في هذا الإطار، يقدّم IFRS18 معالجة أكثر انضباطاً لعرض قائمة الربح أو الخسارة، من خلال فرض تصنيف واضح لبنودها يعكس طبيعة الأنشطة إلى تشغيلية، واستثمارية، وتمويلية. ولا يقتصر هذا التصنيف على كونه إعادة تبويب شكلية، بل يهدف إلى عزل أثر كل نشاط على حدة، بما يمكّن مستخدم القوائم المالية من تقييم الأداء التشغيلي بعيداً عن تأثيرات التمويل أو النتائج غير المتكررة ذات الطبيعة الاستثمارية.
ومن الزوايا التي حظيت باهتمام خاص ضمن هذا المعيار، مسألة مقاييس الأداء التي تعتمدها الإدارة والتي أصبحت تمثّل جزءاً أساسياً من الخطاب المالي للشركات، إلا أنها كانت تُعرض في كثير من الأحيان دون إطار معياري واضح. وقد عالج IFRS18 هذه المسألة من خلال إخضاع تلك المقاييس لمتطلبات إفصاح محددة، تفرض على المنشأة توضيح طبيعتها، وأسس احتسابها، وربطها بشكل مباشر ببنود القوائم المالية المعتمدة. ويُعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تعزيز مصداقية تلك المؤشرات دون إلغاء دورها التحليلي.
كما أعاد المعيار التأكيد على مبدأ جوهري طالما شكّل تحدياً في التطبيق، وهو تحقيق التوازن بين التجميع والتفصيل في عرض المعلومات. فالإفصاح المفرط قد يُضعف قابلية القراءة، في حين أن التجميع المبالغ فيه قد يحجب معلومات جوهرية. ومن هنا، يرسّخ IFRS18 إطاراً أكثر دقة لتوجيه هذا الحكم، بما يضمن عرض معلومات ذات صلة دون الإخلال بوضوح القوائم.
وينطبق هذا المعيار على كافة المنشآت التي تُعد قوائمها المالية وفق المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، على أن يبدأ التطبيق الإلزامي اعتباراً من 1 كانون الثاني 2027، مع السماح بالتطبيق المبكر. إلا أن الأثر الفعلي لتطبيقه لا يقتصر على تاريخ النفاذ، إذ يتطلب من المنشآت استعداداً مسبقاً يشمل إعادة تقييم هيكل التقارير الداخلية، وآليات تتبع الأداء، ومدى اتساقها مع متطلبات العرض الجديدة.
ومن الناحية العملية، فإن التحدي الأبرز لا يتمثل في إعادة صياغة القوائم المالية بحد ذاتها، بل في مواءمة ما يُعرض خارجياً مع ما يُعتمد داخلياً في قياس الأداء. فالمعيار، وإن كان يركّز على العرض، إلا أنه يمتد ضمنياً ليؤثر على طريقة فهم وإدارة الأداء داخل المنشأة، ويحدّ من الفجوة التقليدية بين مؤشرات الإدارة والأرقام الواردة في القوائم المالية.
في المحصلة، يمكن النظر إلى IFRS 18 باعتباره إعادة تعريف مدروسة لمنطق عرض الأداء المالي، تهدف إلى تعزيز الشفافية وقابلية المقارنة دون الإخلال بالحكم المهني. وهو ما من شأنه، عند التطبيق السليم، أن يرفع من جودة التقارير المالية ويعزز ثقة مستخدميها، خصوصاً في بيئة تتزايد فيها الحاجة إلى معلومات مالية أكثر وضوحاً واتساقاً.

